اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

319

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

شهرته الأساسية بالنسبة لنا هي كمؤرخ ، فقد أكمل تاريخ بغداد للخطيب البغدادي وألف تاريخا معتمدا لموطنه مرو تواترت الأخبار أخيرا بالعثور على مخطوطته ونقل عنه ياقوت 25 . ولمصنفه « كتاب الأنساب » علاقة مباشرة بالأدب الجغرافي بحيث يقدم لنا فرصة مواتية للتحدث عنه في هذا الصدد . وقد ساعد الوسط الذي نشأ فيه السمعاني على تنمية ميوله العلمية فهو ينتمى إلى أسرة عربية استوطنت مرو منذ عهد بعيد وخرج منها عدد كبير من العلماء والفقهاء 26 ؛ هذا وقد اشتهرت مرو بمكتباتها الحافلة بالكتب إلى عهد ياقوت . وتمكن السمعاني مبكرا من القيام بعدد من الرحلات في « طلب العلم » وأمضى فترات تختلف طولا وقصرا في مراكز العلم القريبة من موطنه مثل بخارى ونيسابور وأصفهان ، أو النائية مثل بغداد وحلب ودمشق والمقدس بل وعاش وقتا ما بالحجاز ؛ ويتراوح عدد العلماء الذين سمع منهم بين أربعة آلاف وسبعة آلاف ؛ ويستلفت النظر أيضا العدد الكبير لمؤلفاته فالقائمة الموثوق بها تورد ما يقرب من خمسين مصنفا معروفة لنا جميعها من أسمائها فقط 27 باستثناء « كتاب الأنساب » المذكور . وقد جعل السمعاني هدفه من هذا الكتاب وضع مؤلف في الأنساب التي اشتهرت بها شخصيات تاريخية في مجال أو آخر ؛ وترد فيه الأنساب مرتبة حسب حروف المعجم ؛ وإذا كان بعضها يرتفع إلى أسماء أعلام قبلية أو تاريخية فإن الغالبية العظمى منها ترتبط بأسماء جغرافية للنواحى والمدن والأماكن المختلفة . وبهذا يضحى مفهوما لنا أن القيمة الكبرى التي ينالها الكتاب ليست من ناحية مادته التاريخية فقط بل والجغرافية كذلك . وترد فيه الأنساب مزودة بالشرح الكافي مع ضبط الأعلام الجغرافية والتعريف بها تعريفا دقيقا ، ويصحب كل ذلك تعريف مختصر بسير الشخصيات التاريخية وذكر مصنفات العلماء الخ . ولا شك أن السمعاني لم يكن أول من صنف في هذا الميدان فمن بين السابقين له 28 يرد عادة اسم الدارقطني 29 في القرن العاشر وقد وضع مرجعا في « أسماء التابعين » 30 ، ثم ابن - - ماكولا في القرن الحادي عشر وقد ألف في « أسماء الرجال » 31 ولعل أقربهم رحما بالسمعانى من حيث الموضوع هو ابن القيسراني ( توفى عام 507 ه - 1113 ) 32 الذي وضع مرجعا في الأنساب المتشابهة طبع منذ عام 1865 33 وأفاد السمعاني منه كثيرا . ومن هذا يتضح أن فكرة وضع مصنف من هذا الطراز لم تنشأ لأول مرة لديه ، غير أن المؤلفين الآخرين اختلفوا عنه من حيث أن هدفهم كان قبل كل شئ استيفاء ما يسمى « بعلم الرجال » ( أي رواة الأحاديث النبوية ) ؛ وقد وجد من أمثال هذه المصنفات عدد غفير ولكن فائدتها اقتصرت على مجالها فحسب ، لذا فليس غريبا أن يضفى النسيان ذيوله على من ذكرناهم من المؤلفين السابقين للسمعانى في خضم العدد الهائل للمؤلفين الذين كتبوا في هذا الموضوع وألا يحفل العلم الأوروبى بهم إلا في مجال ضيق يهم المتخصصين في أمثال تلك الموضوعات . ولم تكن فكرة السمعاني تحقيق أسماء الأشخاص بل توضيح أصل واشتقاق الأسماء التي نسبو إليها ؛